الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
11
نفحات الولاية
الأخطاء وتغير المسار فلا ينفع الندم والحسرة ، وربّما لو عادوا لساروا في نفس الخط وكما يقول القرآن الكريم : « وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ » « 1 » . يقول ابن كثير في كتاب « البداية والنهاية » : عندما اشتد المرض بمعاوية ويأس من شفائه ورأى نفسه مشرفاً على الموت أخذ ينشد هذه الآبيات : لَعَمْري لَقَدْ عَمَّرْتُ فِي الدَّهْرِ بُرْهَةً * وَدانَتْ لِي الدُّنْيا بِوَقْعِ الْبَواتِرِ وَأُعْطِيتُ حُمُر الْمالِ وَالْحُكْمِ وَالنُّهى * وَلي سُلِمَتْ كُلُّ الْمُلُوكِ الْجَبابِرِ فَأَضْحَى الَّذي قَدْ كانَ مِمَّا يَسُرُّني * كَحُكْمِ مَضى فِي الْمُزْمَناتِ الْغَوابِرِ فَيا لَيْتَني لَمْ أعْنِ فِي الْمُلْكِ ساعةً * وَلَمْ أَسَعْ فِي لَذاتِ عيشِ نواضِرِ وَكُنْتُ كَذي طِمْرَيْنِ عاشَ بِبُلْغَةٍ * فَلَمْ يَكُ حَتّى زارَ ضيقَ الْمَقابِرِ ولا يبعد أنّ لقب « ذي طمرين » إشارة إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حيث يتأسف معاوية على أنّه لم يختر طريقه ولم يسلك في طريق الحقّ ، لأنّ هذه الكلمة قد وردت في كلام الإمام علي عليه السلام نفسه في الرسالة 45 من نهج البلاغة حيث يقول : « أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ . . . » . ولكن التأسف والتحسر في مثل هذه المواقع كاذب ، فلو زالت الأزمة وحلّت المشكلة لعادوا إلى حالهم السابق وتحركوا في نفس الخط . تأمّل رسائل متوالية يستفاد من شرح ابن أبي الحديد لهذه الرسالة وجود مراسلات بين أمير المؤمنين علي عليه السلام ومعاوية في هذا المقطع الزمني وبلغت بمجموعها خمس رسائل من قِبل الإمام عليه السلام وأربع رسائل من قِبل معاوية ، وفي كلّ رسالة كان معاوية يزداد وقاحة وجرأة على الإمام عليه السلام ، والعجيب أنّه يتحدّث عن نفسه وكأنّه من أولياء اللَّه المقرّبين
--> ( 1 ) . سورة الأنعام ، الآية 28 .